السبت، 1 مايو، 2010

أربع ثوان كاملة

يقول صوت أنوثي آلي بالإذاعة الداخلية للمترو  أشياء عن  الصعود والنزول  , وخطوط صفراء إرشادية  ,وأبواب  , وحرص وراحة وسلامة .. تصاحب أنفي  رائحة مجهولة المصدر لثلاجة  إختلط بها رائحة الخضر برائحة الفريون  أتشاغل بها عن رائحة عرقي  و رائحة عرق قدمي بالحذاء القديم  النفاذة حتى أنفي  , أنتظر أولى عربات المترو  جالساً على كرسي  أصفر لونة و أنا أكره اللون الأصفر بشدة و بلا سبب محدد  ..  يأتي المترو  منتظرا ولوجي  من باب كتب عليه للصعود فقط  باللون الأخضر .. أجلس بلاسبب أيضا أجلس فقط  ويغلق المترو أبوابه ولا  يهتم ركابه بالنزول من أبواب النزول  أو الصعود من أبواب الصعود .. قال لي صديق رأيته لمرة واحدة أن الإلتزام بقواعد الركوب والهبوط  يوفر أربع ثوانِ كاملة  , ولا أعلم يوفرها من ماذا ولكنه قال أنه يوفر ربع الساعة في اليوم  الواحد أي سبع ساعات ونصف الساعة شهرياً , يحب الأرقام بشدة صديقي هذا الذي رأيته لمرة واحدة ولم أره الثانية .. لا يعبأ رواد المترو ومريديه  بتوفير أربع ثواني  أو سبع ساعات ونصفها في الشهر الواحد  .. يصعدون فقط وينزلون من أي باب لا يُهم  .. أقوم لأقف على الخطوط الخضراء الموجهة ناحية باب الصعود الأول  .. أنظر في اللاشيء  ناحية قضبان المترو  .. ألمح  الإفريز الفاصل بين القطارات أو تحديدا قطاري المترو .. إفريز معدني  قضيبين  مفرغ ما بينهما يفصل هما عن بعض  عشر سنتيمترات تقريبا  , أعلى قليلا من  قضبان المترو يمتدان  إلى ما لا نهاية يمينا ويسارا يسمحان بوقوف شخص بالغ مثلي  ..
كل ما علي إنتظار أن يتخطاني المترو .. لأأقفز عن الرصيف  بعد عبورقطار المترو  مباشرة وأتوجه للإفريز الحديدي  أصعد عليه  واتمشى يمينا أو يسارا  وأتوقف عند نقطة فاصلة بين المحطتين  عند أقصى سرعة للمترو  , هناك  أترك نفسي لقطاري المترو  يأتيان بسرعتهما  يتخلخل الهواء  ,  و أصل للفراغ المطلق , حيث اللاهواء بين القطارين , ولا ضغط للهواء هناك .. الضغط كله داخلي .. من داخلي لخارجي  تتفجر الدماء لمعادلة الضغط .. أتحرر من الدماء بداخلي , تنفثئ فقاعتي عينيّ  ,, يسيل الدم من فتحات وجهي , تجربة عظيمة  بلا أي  تجارب بعدها , نشوة التجربة الأخيرة في حياتك  و أنت تعلم انها لا شيء بعدها  , متعة الميعاد والمكان المحددين لموتك بيدك أنت لا غيرك , إختيارك لطريقة ميتتك .. تلذذ إعتادهم أن شبحك يسكن المترو  , لقب يلازمك طوال موتك وحياتك ذكرى في بقعة  دم  سوداء لا يراها سوى عمال المترو الذين رهبوا مسحها وتقززوا من دماءك الساخنة  .. لتصبح شبحا للمترو ..
يوقظني صوت أنوثي للإذاعة الدخلية بالمترو لوصولي محطة مبارك واهم بالنزول  من باب النزول  مستقبلا غيري صاعدا من  الباب ذاته  ولا يعلم انه يهدر سبع ساعات ونصف الساعة بمعدل أربع ثوان كاملة  يسنطيع توفيرها لو صعد من باب الصعود  ..